حسن حسني عبد الوهاب
222
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
منك فكنت كلّما دنوت كان الأمر أعظم - أتذكر - يا أمير المؤمنين - يوم أدخلتني منزلك بالكوفة وقدمت إليّ طعاما ومريقة من حبوب لم يكن فيها لحم . ثم قدمت زبيبا . ثم قلت : يا جارية عندك حلوى ؟ قالت : لا ، قلت : والتمر ؟ قالت : لا . ولا التمر ، فاستلقيت . ثم تلوت عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فقد - واللّه - أهلك عدوك واستخلفك في الأرض ما تعمل ؟ - قال : فنكس أبو جعفر رأسه طويلا . ثم رفعه وقال : كيف لي بالرجال ؟ قلت : أليس عمر بن عبد العزيز كان يقول : إن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها ، فإن كان برّا أتوه ببرهم وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم " . فأطرق المنصور طويلا فأومى إلي الربيع أن أخرج فخرجت من ساعتي " . وأمر المنصور بعد حين بتجهيز جيش عرمرم بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي أرسله إلى إفريقية لإنقاذها ، وتدارك أمرها فسار إليها في أربعين ألف مقاتل سنة 142 ه وهو أول جيش خرج للمسوّدة نحو المغرب . وفي هذه السفرة سمع من عبد الرّحمن بن زياد جماعة من كبار أصحاب أبي حنيفة كما سمع منه سفيان الثوري للمرّة الثانية وزكرياء بن أبي زائدة " * " وغيرهم . وكان من عمل الأمير محمد بن الأشعث عند وصوله إلى القيروان أن أعاد عبد الرحمن بن زياد إلى منصب القضاء بأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور سنة 144 - فاستأنف ابن زياد سيرته العادلة بين الناس في تواضع وإخلاص وأقبل على نشر العلم بين طبقات المتعلمين . أخبر معاصره أبو عثمان المعافري ، قال : كنت عند عبد الرّحمن بن أنعم حتى أتاه شاب أشقر ومعه مخلاة فيها بصل ، فأسر إليه كلاما فقال عبد الرّحمن لبعض من كان بحضرته : قل لهم - يعني لمن في البيت - يبعثوا إلينا بشيء من هذا البصل مع الفول الذي كنتم طبختموه البارحة ، فبعثوا بما أمرهم به فقال لي : تقرب وكل فقلت له : لا
--> ( * ) زكرياء بن أبي زائدة بن ميمون الهمداني أبو يحيى ، تابعي مشهور برواية الحديث . تولّى قضاء الكوفة وبها توفّي في سنة 148 ه ترجمه ابن سعد في طبقاته 6 : 247 ، وابن حجر في التهذيب 3 : 329 ، والذهبي في الميزان 1 : 248 والخزرجي : ص 104 .